إعادة تأسيس الوعي: الحراك الشعبي الجزائري الحقائق الغالبة.. و المراجعات الواجبة.. الحلقة الأخيرة

على سبيل الخاتمة:

ليس من اليسير أن يتمكن أي تحليل أو أية قراءة، وضع خاتمة لحدث لم تبين المعطيات فواصل قاطعة لمجرياته، غير أن ما يفرض ذلك لا يتعلق بسيرورة الأحداث وتطورها فقط، إذا أن الأمر يتعلق أيضا بطبيعة ذلك الحدث ذاته، ومن ثم لابد  للحدث الثوري أن يقرأ ضمن الدينامية الاجتماعية التي فجرها، وضمن مسار تطورها وتحولها،  ولعل هذا التقرير يكون كذلك من مستلزمات الوعي الثوري التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار، فقد وضع الحراك الثوري بروحه السلمية واستعلائه الحضاري، على سلم تلك الدينامية الاجتماعية القوية، التي عبرت عن نفسها بانصهار مجتمعي غير مسبوق، في مجريات الحراك وتطوره، وبغض النظر عن الانقسام المجتمعي الذي خلفه الحراك جراء اختلاف تقدير  الموقف من مختلف القضايا التي أثارها، فإن حالة الوعي المجتمعي المتفجرة بشأن المسائل العامة، تعتبر  أهم كمون لأي حراك في موجته القادمة، كما ويعتبر في الوقت ذاته أهم تحد أمام السلطة القائمة، التي آثرت التكيف مع تجليات الحدث الثوري، بدل الاستجابة له بالتغيير الجوهري المفترض.

وإزاء ذلك تبقى مختلف المتغيرات التي أشرنا إليها في سباعية إعادة تأسيس الوعي، عوامل أساسية في استعادة المبادرة وتصحيح المسار، والاستفادة بالتالي من الدينامية الاجتماعية التي لا يمكن وضع حدود لنهايتها بسهولة، ومن ثم فإن عامل الوقت يعتبر عنصر أساسي في المعادلة، مادامت أن تلك الدينامية لا تزال مستمرة ومشتعلة، وهكذا هي الثورات والحرات الاجتماعية الكبرى، تتحدد سيرورتها بأعمار الأجيال وليس بأعمار الأشخاص الذين فجروها، فتصبح تلك السباعية بالتالي معالم هادية على سبيل تصحيح المسار واستعادة المبادرة.

 وفي المحصلة فإن هذه الدروس لا تغني عن دروس أخرى قد تكشفها تأملات أخرى، لكن من المهم أن نعيد التذكير بأهمية هذه السباعية في تجديد وعينا بهذا الحدث الثوري الهام، الذي يقتضي في المقام الأول أن تتوفر له رؤية جامعة معبرة عنه، هدفها الأساسي التغيير في منظومة الحكم وفي آليات عملها بالأساس، انسجاما مع المتطلبات والأسس التي تقوم عليها أية دولة، بما يجعل مختلف التيارات ترتقي في رؤاها وتصوراتها إلى مستوى تلك الرؤية، فتكون عامل قوة باتحادها، بدل من أن تكون عامل ضعف وتراجع للحراك بانتصارها لرؤاها الخاصة.

 كما أن سقف المطالب التي عبرت عنه الجماهير يعتبر محددا أساسيا من محددات تحقيق الحراك لمطالبه، دون الارتهان لأي مطالب جزئية أو فئوية مهما كان مصدرها، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى انحراف المسار الثوري، عن رهانات الحقيقية، هذا فضلا عن ما يمكن أن يمثله ذلك من مخططات الثورة المضادة.

وضمن الرؤية المعبر عنها وتحت سقف مطالب الجماهير الأساسية، يجب أن تبرز الحرية كأهم مطالب الحراك الثوري، بما يعني عدم إثارة القضايا المتعلقة بالهوية مطلقا، والتي قد تكون مجال نضال سياسي، ضمن مسار سياسي عادي لا ثوري، حتى لا يكون ذلك مدخلا من مدخلات الثورة  المضادة، عبر النفخ في الاختلافات واستثمارها في إحداث انقسام بين صفوف الحراك، عبر اصطفافات هوياتية، لا ترى في الحرية عنصرا ذو أولوية.

وفي إطار ذلك وكما هي طبيعة الحراك التوافقية، على مطلب التغيير، فإن العنوان الأساسي للحراك الثوري هو التوافق أيضا بين مختلف القوى الثورية، توافق في الرؤية وفي الأهداف وفي تبني الشعارات الجامعة المنسجمة مع الرؤية التغيرية، بعيدا عن أي توجه اصطفافي، فيكون ذلك التوافق بالتالي هو  أساس نجاح الحراك الثوري.

ولا يمكن لأي حراك ثوري أن يكلل بالنجاح إلا إذا وضع القضايا الجوهرية، ضمن سلم أولوياته، حيث يغدو الاستحقاق الديمقراطي أساس التغيير في الحراك الثوري، ومن دونه لا يمكن أن تتحقق مطالبه، بل أن استجابة النظام القائم لتلك المطالب دون الاستجابة لذلك الاستحقاق، يعتبر حركة التفافية على أهم مطالب التغيير الثوري وأهم مبرراته.

وفي سبيل تأمين استمرار الحراك، وانسجامه مع رؤيته وأهدافه، تبقى مسألة تفكيك منظومة الأساطير المؤسسة للاستبداد ضرورة ثورية، ذلك أن الحراك وباعتباره حالة سائلة ممتدة، يخضع ضمن منطق الثورة المضادة لعملية شحن إيديولوجي وهوياتي مكثفة، فلابد أن يصاحبه مجهود ثوري في تفكيك تلك المنظومة.

وعلى الرغم من أن مسألة تأطير الحراك، قد شكلت مجال شد وجذب بين مختلف الفاعلين في الحراك، وعبرت عن مأزق تكتيكي وقع فيه الحراك نتيجة حدة الصراع القائم في الحراك بين أجنحة النظام القائم، فإنها تبقى مسألة ضرورية وإستراتجية،  لا يمكن القفز عليها تحت أية دعاوي أو تخوفات، مادام أن الحراك عبر عن رؤيته بكل وضوح.

وفي الأخير  فإن الاستجابة لهذه السباعية وتفعيلها، تبقى مسألة نخبوية بالأساس، إذ يقع على النخب الواعية في الحراك الثوري، أن تستلهم مختلف دروس الحراك، سواء تعلق الأمر بما تم الإشارة إليه عبر هذه القراءة أو بدروس بأخرى، لكن الأهم من كل ذلك هو أن تمارس النخب دورها في إعادة تقديم قراءة واعية للحراك، بتثمين مختلف نقاط القوة، وإبراز مختلف نقاط الضعف، وتبين الفرص المفتوحة أمامه والمخاطر التي تهدده.

2020-01-21
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

إن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع News Press.

نيوز براس